الموت لا يؤجل مواعيده

كتبها هاله نوري ، في 2 نيسان 2008 الساعة: 14:52 م

 

علي محمود خضير
 
 
 
 

              سركون بولص
 
 
سأعترف إني تعرفت عليه متأخراً ، وهذا ليس ذنبي او ذنبه ، بل ذنب زماننا الرديء الذي جعل من سركون بولص  المسافر ابداً.

لو وجدنا في أوطاننا الحلم ، هل كنا سنغادرها ؟

 

*

في الشهرين الأخيرين اقتربت منه أكثر من ذي قبل ، كنا نعلم، أنا وبعض أصدقائي في داخل العراق انه مريض و حالته سيئة جدا ، تحدثنا كثيراً مع الصديق باسم فرات لترتيب احتفاء كبير بتجربة هذا الوديع الجميل  في البصرة، وكان سعيداً بالفكرة، كان من المفترض إنها تتم في 15/10 ،   قبل رحيله بأسبوع، لكن الموعد تأجل ، والموت لا يؤجل مواعيده

 

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

بصري هناك.. علي الموسوي

كتبها هاله نوري ، في 2 نيسان 2008 الساعة: 14:45 م

علي الموسوي* 

 

 
 
            الى علي محمود خضير

التمر الذي يمشي على قدمين.

 

 

 

 

في البصرةِ

عتقنا جروحنا

لكؤوسٍ قادمةٍ

بصحة المنافي

قالَ الوطن ذاتَ كأس

وحزم لنا الامتعة

وقامَ بركلنا

وها انتَ

حفرتَ ارض الهواء

لتبحثَ عن دمعٍ عتيق ٍ

وكتبتَ شِعرك على صفحات المياه

كيفَ هي البصرة؟.

وكيف ذلك النحيل

الواقف على الشاطيء

كاي مستعط

أينتظر اقبال ام وفيقة؟

 

********

 

كل الشظايا ادمنت شباك وفيقة

وكل السرف سحقت جيكوره

"ليتني كنت ديواني؟"

ديوانكَ فارق النهود

وأحرقوه ليدفأ جندي امريكي به

 

*********

 

عد مبكراً

فأمك (عليها السلام )1 تقلق بسرعة

ولا تثق بغرفة المياه التي تبعت ظهرك صباحاً

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

امي عليها السلام.. علي محمود خضير

كتبها هاله نوري ، في 2 نيسان 2008 الساعة: 14:41 م

(1)
صباحُ الأمن يا أمي
صباحُ السماء الصافية
التي لم نرها منذ زمن
 أنا ابنكِ الذي حزم حقائبهُ
وسافر  دون وداعك
 
صباحُ الأمنٍ يا أمي
مذ أرخيت رأسي آخر مرة فوق صدرك
وأنا أشكو الصداع
سهري لا ينتهي
شفاهي مزقتها أسلاك الدروب الصفر
آه يا أمي
أتعبتني الوجوه الصدئة
تسربت ضحكتي
أغتيلت من وجهي ..دون أن أهجس
                  ………………..
 
أماه
الضحكة
حلم ٌ لا يتكرر
 
                  (2)
شَعري يبكي راحة كفيك
يفتقد الدفء ورائحة المطر
وابتسامة ما زالت شاخصة
كلما أشتدت بي قسوة المسامير وبرودة الصدأ
وكلما تذكرتُ … إنني وحدي
 
                  (3)
أنا مذ ُ أدركتُ وحدتي
في هذا  الشيء المترامي الأبعاد
و بحثت عن قدر لي
بحثت عن هوية
وارتكبت عشرات الحماقات
لم أرى إلا وجهك وطناً لأساي
لم أجد إلا شعري خطيئة ً تستحقُ المحاولة
وارتكبتهما
وجهكِ الذي ابتلي بحسراتي
وشِعري الذي أبتلي بي
 
آه يا أمي
أنت وشِعري
جناحاي في العاصفة  
 
                  (4)
في كل يوم
استيقظُ
على ما تبقى من اليوم الماضي
من ضجيج ٍ وإحباط  ٍواختناق
أفتح صدري
لشظايا الصدفة
أقتلع عيني
لأذيبها في ماء الحياة الوسخ
وأعودُ محبطا يا أمي ً
فلاشيء يتغير
لا شيء يتغير أبداً
 
 
 
 
                  (5)
اتعبُ عندما ابحث عن تفاصيلكِ
من أين آتي بدفء يديك ؟

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الفرح لا زال ممكناً… علي محمود خضير

كتبها هاله نوري ، في 2 نيسان 2008 الساعة: 14:23 م

علي محمود خضير

1)

تبدو المروج ممتدة كثيراً
وتبدين رائعة هذا النهار

…………….
…………….

لنجري وراء سعادتنا
بين حقول النرجس
ولتفتح السماء ذراعيها بودٍ ودفء
ضاحكة … سعيدة
لنجري حد الإعياء

ولنكتب ذكرى في قلب الشجرة العجوز أعلى التلة
ولنستلقي بين العشب ..
نزفر حزناً
لنستغل كل دقيقة تمضي
يكفي ما ضاع من الوقت

……………..
……………..

اركضي .. وأنا خلفك ِ
وحاذري .. أن امسك بكِ

(2)

لنذهب للبحر
لنحتضنه ُ بأحداقنا
لنستأجر زورقاً يسافر بنا لأمواج ٍ تصخب
لنستأجر دقيقة فرح من الدنيا
تخدش كبرياءَ الزمن وجبروته
ولنحيا .. مرةٍ … كما نشاء

(3)

حدثيني مرة بطريقة مختلفة
تفجري .. حرية .. وغرابة ْ
تخلصي من الأسلاك التي أدمتك
وأدمتني
وأفسدت أيامنا
وانزرعي بسمة جديدة – حقيقية –
في شفاهي التي لا تجيد الابتسام
ك

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

من كتاب في حضرة الغياب

كتبها هاله نوري ، في 2 نيسان 2008 الساعة: 10:45 ص

محمود درويش

سطراً سطراً أنثركَ أمامي بكفاءة لم أُوتَها إلاّ في المطالع/
وكما أوصيتَني، أقفُ الآن باسمكَ كي أشكر مشيّعيكَ
إلى هذا السفر الأخير، وأدعوهم إلى اختصار الوداع،
والانصراف إلى عشاء احتفاليّ يليق بذكراك/
فلتأذنْ لي بأن أراكَ، وقد خرجتَ منّي وخرجتُ منك،
سالماً كالنثر المصفّى على حجر يخضرّ أو يصفرّ في
غيابك. ولتأذن لي بأن ألُمّكَ، واسمَكَ، كما يلمّ السابلةُ
ما نسيَ قاطفو الزيتون من حبّات خبّأها الحصى. ولنذهبنَّ
معاً أنا وأنت في مسارَيْن:
أنتَ، إلى حياةٍ ثانية، وَعَدَتْكَ بها اللغة، في قارىء قد
ينجو من سقوط نيزك على الأرض.
وأنا، إلى موعد أرجأتُه أكثر من مرّة، مع موتٍ وعدتُه
بكأس نبيذٍ أحمرَ في إحدى القصائد. فليس على الشاعر
من حَرَجٍ إن كذب. وهو لا يكذب إلاّ في الحب، لأن
أقاليم القلب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ملف الماغوط - الجزء الثاني

كتبها هاله نوري ، في 2 نيسان 2008 الساعة: 10:21 ص

 

هكذا يحشو الماغوط مسدسه بالدموع

ممدوح عدوان عن الشاعر الانفجاري

بمناسبة صدور مختارات شعرية للشاعر السوري الكبير محمد الماغوط ضمن العدد الأخير من "كتاب الى جريدة" أقامت مؤسسة تشرين السورية حفل تكريم للشاعر بحضور وزير الإعلام عدنان عمران. "الأهرام العربي" تنشر نص الشهادة التي ألقاها الشاعر ممدوح عدوان بهذه المناسبة.
حين أردت أن أكتب هذه الكلمة لتقديم محمد الماغوط لم أحتج الى إعادة قراءته. اكتشفت أنه موجود في ضميري الذي أخاف منه، تسربت كلمات له كانت مروعة من وجداني فذكرتني بحقي الذي منحني إياه منذ طفولتي في الاعتراف بالخوف والذل والكبت.
يم يظهر محمد الماغوط صوتاً في المشهد الشعري العربي في الخمسينيات، بل انفجر فيه قنبلة فراغية، ومنذ أصواته الأولى كان شاعراً فاجراً ومنفجراً.
هذا الرجل الذي لم يهتم بوزن ولا قافية ولا آداب ولا شعائر سياسية، رأى نفسه مشرداً وجائعاً وخائفاً فعرف ببداهة الإنسان الأول أن العالم متآمر عليه، ولذلك فإن مؤامرة أخرى في هذه الدنيا الخادعة لم تكن تصلح لإلهائه عن مجابهة تلك المؤامرة الكونية.
ولأنه لا يخجل من دموعه ومن هزائمه ومن الاعتراف بإذلال العالم له، فقد علمنا أن الاعتراف بهذا الذل هو النصر الوحيد الذي بقي لأناس مثلنا في عالم مثل هذا العالم.
ولذلك لم أحس يوماً أنني أقرأ الماغوط، بل كنت أشعر دائماً أنه يعلمني آداب الانفجار الوقح الذي لا يقيم اعتباراً لشيء. وكلما كنت أقرأ الماغوط كنت أحس أن هذا الرجل يتغلغل الى أعماق روحي ليجبرني على الاعتراف بالوضاعة التي أوصلني إليها هذا العالم الذي أعيش فيه.
هو ذا شخص وحيد في الدنيا يعلن أنه يحشو مسدسه بالدموع. وينتهي الى أن يأكل النساء بالملاعق، ولا يرى فرصة للعنان إلا أن يضع ملاءة على شارة مرور ليناديها: يا أمي، ويأمر الغيوم بالانصراف لأن أرصفة الوطن لم تعد لائقة حتى بالوحول.
وفيما نحن نرى التبجج بالقوة الكاذبة، هو ذا شخص يعلمنا أن نحب ضعفنا وأمام الانتصارات الإعلامية الخلبية، يعلمنا أن نعتز بهزائمنا، وأما المراحل الوهمية يعلمنا أننا في حاجة الى البكاء، وأمام الانتماءات الضيقة يعلمنا أننا نملك الحق في أن نطالب أوطاننا بأن تعيد لنا الأغاني والدروع وكل فاصلة في أناشيد حبنا لهذه الأوطان قبل أن تطردنا من جحيمها.
ذات يوم كتب صديقي الشاعر علي كنعان: "سيكفي جبهة التاريخ من أمجادنا أن هُزمنا"، وأقول اليوم باعتزاز: سيكفي "حماسة" العرب الشعرية المعاصرة أن تحتويى على تلك الهزائم الوجدانية التي اعترف بها محمد الماغوط والتي تبدأ من هزائم الجبهات الى عزائم الروح، ومن خسارة الأرض الى خسارة الكرامة، ومن الفجيعة بالحكام الى الفجيعة بالأهل، ومن الحاجة الى اللقمة الى الحاجة للدفء، ومن الحاجة اليتيمة للأم الى الحاجة الشيقة للمرأة التي نتفرز بين نهديها كالصئبان. لقد هجا محمد الماغوط وطنه وهو يمزق ملابسه كأية أرملة، أو أن ثاكلة مفجوعة وأعلن عن رغبته في خيانة وطنه. ولكنني كنت أفهم المجاز الذي يشويه غضبه على ناره الهادئة، ولم أصدق يوماً إلا وصفه للرجل المائل الذي يقصد به نفسه، والذي يتشرد متأبطاً كتبه ووطنه.
محمد الماغوط لا يُقدم في أمسية تكريمية، ولا يقدم بكتابه المطبوع، بل يحق لمن يتورط في الإعلان عن ظهور شعره أن يطلق صفارة الإنذار، فها هنا غارة شعرية على ضمائرنا وعلى كل ما تعودناه من كذب ومكابرة وادعاء، إنني لا أقدم لكم شاعراً بل أطلق بينكم قنبلة انتُزع صمام أمانها.
إذا قرأ محمد الماغوط شعراً، أو إذا تورطتم باقتناء ديوان له، فانزلوا الى الملاجئ الأخلاقية التي تعودتموها، البسوا الكمامات الواقية من الصدق الجارح وتسلحوا بالمكيفات الإعلامية التي تعودتم على تهدئتها وتخديرها.
ولكنني أقول لكم إنها لن تنفعكم، ما من ملجأ يحميكم من هذا الاعتراف الشعري الجامع بأوبئتكم، طالما أنكم قد تورطتم بسماعه أو قراءته.
وأرجو أن أحذركم الى أنكم قد ترونه الآن رجلاً ضعيفاً يستند عكاز، هذا ليس رجلاً تقدم به العمر، بل هو رجل تقادمت فيه الهموم والأحزان والفجائع وتخمرت في أعماقه الدموع الحبيسة، وتعتقت في روحه الآهات التي لم يسمعها أحد.
وأحذركم أيضاً أن القنبلة التي يبدو غلافها صدئاً هي انفجاراته بالمقدار الذي كانت عليه دائماً.
وهو أيضاً تلك المرأة التي أهملناها قليلاً، ويكفي أن نفتح آذاننا وضمائرنا ليتساقط عنها الغبار ونرى أنفسنا فيها على حقيقتها.
لقد استطاع محمد الماغوط أن يحرجنا ويجرحنا بشعره لأنه ظل قادراً على الاحتفاظ بالطفل المقهور الذي كأنه، طفل لا يندهش من الجمال ويفرح به فقط، بل يشمئز من القبح ويبكي من الظلم.
لقد صرخ منذ البداية: ألا ترون كم هو العالم فظيع وعفن ونتن كم هو غير لائق بمعيشة البشر؟ كم يثير من القهر والغضب والبكاء؟
احتقان كهذا لا يعرف كيف يقلم أظافره ليليق بأجواء الشرف العربي، ولا كيف يلبس الياقة والقفاز ليصلح لصالونات الأناقة الثقافية، فانفلت في الأجواء الأدبية حافياً مشعثاً رثاً كما لو أنه ما يزال يلعب في وحل الحارة، ولم يهتم لملابسه المتسخة وقدميه الموحلتين، لم يهتم من نفور أبناء الصالونات أو الداعين أو استتباب الأمن في استعراضات الأناقة الفعلية والبروتوكوليا: ببساطة قال لهم: لم أجلب الوحل من بيت أبي، ولم أتسخ في حضن أمي، ولم يكن البكاء هوايتي، ولا الجوع رياضة أمارسها.
عالمكم وسخ وموحل ولعين وموحش، ولست معنياً بتنظيف نفسي أو حتى أسناني لكي أساعدكم على التهرب من مسؤولياتكم عن وسخ عالمكم.
معاناة اليتم والغربة والجوع والتشرد والكبت، وحب الوطن والنساء والحرية والتسكع والتدخين والشراء، والمجاهرة بالرأي في الكتابة وتعرية العالم الذي يحيط به كل صباح. . هذه هي حدود ملكوت محمد الماغوط وهي حدود عذاباته ذاتها.
لم يكتب من قارءته أو تأملاته بل كتب من زعيق بطنه الخاوية وارتجاف أعصابه الخائفة.
وهكذا راح يكتب دون أن يهتم بتسمية ما يكتبه، حتى أنه ذات يوم خاف من أن يكون الذين يسمون كتابته شعراً يقصدون السخرية منه والضحك عليه، فشتمهم في مجلة أدبية رائجة، ولكنه استمر —— أظافره المتسخة على الحيطان ويكتب بهذه الأظافر، فيثير الصرير والغبار لترتجف منه العظام وترمد العيون.
وليصبح واحداً من أهم الشعراء العرب، شعر؟ فليكن، يقول الماغوط، ابحثوا أنتم إذاً عن قوانين لما أكتب ولا تطبقوا على قوانين كتابتكم.
إن صدور مجموعته الكاملة، أو صدور هذه المختارات في "كتاب في جريدة" حدث مهيب، وإرهاق سادي إذ من سيطيق أن يغامر بقراءة عذابات عمر الماغوط كلها دفعة واحدة؟ كم تستغرق منك قراءة المجموعة ؟ يوماً؟ شهراً؟ سنة؟ تصور أنك ستتحمل في مدة قصيرة كهذه عذابات رجل كان يتألم عن أمة كاملة وطوال جيل كامل، وقد ظلت روحه تئن تحت هذه العذابات طوال هذا العمر المرير. . حتى نخخت قلبه وجسده.
ونحن إذ نختار أن نقرأ شعره فإننا نجيء الى مخبر التحليل بأنفسنا، والشاعر المخبري المحلل سيقدم لنا تقريره ليقول لنا إننا مصابون بفقدان المناعة الأخلاقية والوجدانية والسياسية والوطنية، وإننا مصابون بالشلل الوطني وبسرطان الجبن والتخلي والتخاذل.
اقرأ دفعة واحدة إذا رغبت، ولكن احذر القرحة . . والرقابة فهذا من الشعر النادر الذي يحمل قارئه مسؤولية القراءة بمقدار ما حملها كاتبها حين كتب.
ولكن الماغوط، ولأنه مؤدب بآداب الشعر المتصعلك العظيم المقهور الرجيم المضمخ بالنزيف، سيوهمنا أنه لا يتكلم إلا عن نفسه وعن آلامه.
ولكن دققوا قليلاً، وستكتشفون أنه يحكي عنا جميعاً. . .

عن الأهرام العربي- الأحد 1 كانون الأول 2002

********

كهرباء محمد الماغوط تسري في الشعر الجديد

محمد علي شمس الدين
(لبنان)

المختارات التي صدرت أخيراً للشاعر محمد الماغوط ضمن إطار (كتاب في جريدة) أعادت فتح السجال حول شاعر (حزن في ضوء القمر) وحول قصيدة النثر التي كتبها على طريقته الخاصة‚ وفي الوقت نفسه صدرت في دمشق مختارات مما كتب عن الماغوط عربياً‚ ماذا عن محمد الماغوط وقصيدته الرائدة؟ لم يبدأ محمد الماغوط بنشر قصائده في مجلة شعر‚ إلا ابتداءً من السنة الثانية لصدورها في يناير 1958‚ في العدد الخامس‚ فهو نشر في هذا العدد قصيدته (حزن في ضوء القمر)‚ وفيها يظهر‚ وللمرة الأولى في تاريخ الشعر العربي القديم والحديث معاً‚ وكأنه قائد مركب متشرّد في تيّار وحشي‚ في مغامرة غير مسبوقة في الكتابة‚ يدخلها الماغوط بلا اعتداد نظري أو تنظيري‚ وبسلاح وحيد هو نصّه العاري‚ يقول الماغوط في تلك القصيدة: إني ألمح آثار أقدامٍ على قلبي‚ ويقول في قصيدة (الخطوات الذهبية): آه كم أودّ أن أكون عبداً حقيقيّاً/ بلا حُبّ ولا مال ولا وطن‚ وفي العدد الثاني من العام الثاني لمجلة (شعر) (ربيع 1958) ينشر الماغوط قصيدته (القتل) وفيها يقول: ‚‚‚ ضع قدمك الحجريّة على قلبي يا سيدي/ الجريمة تضرب باب القفص/ والخوف يصدح كالكروان‚ نجد أنفسنا في نصوص الماغوط أمام كهرباء تهزّ الكيان بكامله وهي جديدة‚ كاسرة (وإن مكسورة)‚ غير طالعة من مناطق ثقافية أو قراءات سابقة‚ بل منبثقة مثل نبع مفاجئ في دَغَل‚‚‚ وتحمل في أحشائها موسيقاها البكر العظيمة‚ لذلك لا يمكن أن يكون تجاهها سؤال: أين الوزن والقافية؟ لم يستطع أحد أن يطرح على الماغوط أسئلة حول شعريّة نصوصه‚ فهي قصائد بقوتها الداخلية‚ كما أنّ قراءتها لا تذكرنا بنصوص أخرى مشابهة في الشعر الغربي (الفرنسي أو الأميركي/ الإنجليزي) أو في الشعر العربي ‚‚‚ ولا ريب في إنها تكوّنت في سويداء صاحبها من تجربة حياتيّة قاسية‚ مباشرة‚ وفي أماكن ما قبل اللغة‚ قائمة في رعونة التجربة‚ ومتكوّنة في الدم والطمث والوحل ذاته للحياة‚ فانبثقت من هناك كما تنبثق زهرة من الوحل أو الصخر‚ والحليب من دم وطمث الحيوان‚ من هنا أسّس الماغوط لقصيدة النثر العربية‚ ولم يكن يرغب في ذلك نظرياً وثقافيّاً‚‚‚ إذ على نصوصه ستنبني بعد ذلك النظرية‚ كان هو شاعراً بكراً ابن تجربة حياتية بكر‚ هذا مجده‚ نعم: ضَعْ قدمك الحجريّة على قلبي يا سيّدي/ الجريمة تضرب باب القفص/ والخوف يصدح كالكروان‚ وفي البحث عن الغرفة السوداء (السرية) التي تكوّنت فيها نصوص الماغوط‚ نفترض أنه لا بدّ من أن يكون هذا الجميل‚ الطفل‚ قد انجرح في جماله وفي أصل براءته‚‚‚ لا بُدّ من أن تكون إهانة رعناء قد ضربت قلبه بوحشية‚‚‚ إذْ ما الذي يدفع إنسانا للقول: ضع قدمك الحجريّة على قلبي يا سيّدي‚‚‚ سوى العنف الأرعن؟ وحين تضرب الجريمة باب القفص فهي وحش يضرب قفص طائر‚ ثم حين يصدح الخوف كالكروان‚ فأي رعب يشلّ الكائن? أيسدّ أذنيه أم روحه؟ افترضنا ذلك قبل أن يسلمنا الماغوط بعض مفاتيح تجربته‚ على قلّة ما يتكلم به أو يبوح‚‚‚ على قلّة ما يشرح‚ نعرف أنه تعرّض وهو في أوّل صحوة الشباب‚ للسجن‚ حدث ذلك في العام 1955ولم يكن مؤهّلاً حينذاك‚ نفسياً أو جسديّاً لما تعرّض له من هوان وذلّ‚ يقول: (بدلاً من أن أرى السماء‚ رأيت الحذاء‚ حذاء عبدالحميد السرّاج (رئيس المباحث)‚‚‚ نعم رأيت مستقبلي على نعل الشرطي‚ والآن حين أتذكر حفلات التعذيب وأنا في التاسعة عشرة من عمري أتساءل: ما هي تهمتي بالضبط؟ولم أجد إجابة شافية عن هذا السؤال‚ كنت وقتها مجرّد فلاح بسيط لا يعرف من العالم إلاّ حدود قريته فقط كمعرفة الرضيع للحياة ‚‚‚ ولعلّ من فضائل عبدالحميد السرّاج عليّ أنني تعلمت أشياء كثيرة في السجن‚ تعلمت كيف أقول (آه) وذقت طعم العذاب‚ والمثير أنني أنا الذي لم أكمل تعليمي‚ تعلمت كثيراً من السجن والسوط الذي بيد السجّان‚ السجن والسوط كانا معلمي الأوّل‚‚‚ وجامعة العذاب الأبديّة التي تخرّجت منها إنسانا معذّباً‚ خائفاً إلى الأبد) (من حوار معه أجراه خليل صويلح)‚ يضيف الماغوط في الحوار نفسه‚ أنه فرّ من (سجن المزّة) الى بيروت‚ حيث التقى رفاقه في مجلّة (شعر)‚ ويضيف أيضاً كلمتين عن الكتابة (كتبتُ لأنجو)‚ قَدَمُ الشرطي هي التي شكلّت لدى الماغوط سبب هذا الصراخ الوحشي لأشعاره في أروقة الأزمنة العربيّة الحديثة والمعاصرة‚ مثلما شكّلت حزوزُ الحبال على ظهر مكسيم غوركي سبب رواياته‚ ثمة جروح في قلب الإنسان لا تندمل‚ وهي التي تصنع الثورات‚ قصائد الماغوط ثورة مندلعة بلا توقّف‚ ولكنْ نسأل أين؟ سيكون من اللافت أنّ قصائد الماغوط التي طلعت باكراً كالدبابير من وكر سياسي‚ لم تؤثّر في السياسة‚ بل أثّرت في الكتابة‚‚‚ في روح الكتابة التي عاصرته والتي أتت من بعده‚‚‚ فهو الذي طلع من سجن المزّة عام 1955‚ وجاء الى بيروت‚ لم يعد للسجن المادي ثانية‚ ولكنه دخل في سجن آخر أصعب وأمرّ‚ هو سجن الحال العربي‚ وهو سجن رحب استطاع ان يهضم في الماغوط كل أعطابه‚ وأن يصغي بأذن صمّاء‚ لحشرجة روحه وهو يكتب (سأخون وطني)‚‚‚ بل لعلّ الماغوط دَخَل في سجن وجودي أكبر من السجن السياسي‚‚‚ دخل في العزلة المطلقة‚ أخلد للصمت‚ واللاأحد‚ وأدرك أنه‚ كسوداوي تعس‚ عاجز عن إدراك الفرح‚‚‚ رجل ظلمات هو ومصلوب بلا أم تبكي عليه‚‚‚ ويعيش في البرد والوحل وبين المقابر‚ متشرّد في الروح والقدمين‚‚‚ محمد الماغوط رامبو على أنتونان آرتو‚ عربي‚ شريد طويل على امتداد الأنهار العربيّة‚ وصراخٌ في جميع الدهاليز والأقبية السوداء والسجون‚ دمغة أبدية في قاع الهزائم وصرخة (وامعتصماه) على امتداد التاريخ العربي بلا ضفاف لها‚‚‚ بلا أمل‚ أفرك يديّ أحياناً وأقول هو موجود‚ وُجد من يعرّي الجيفة ويكشف الستار عن القبور المغلّفة بالديباج‚ وأشبّهه أحياناً بتماثيل سامي محمّد: بأيدٍ تتمزّق وهي تفتح أبواب السجون‚ أو ترفع صخوراً فوقها صخور‚‚‚ وربما ظهر لي أحياناً متجسداً في الصرخة لمونخ‚ على صورة رجل خائف ضعيف بفم مفتوح على مصراعيه‚ جالس الى خطي حديد‚ يمرّ عليهما قطار جامح‚ نعم إنّ محمد الماغوط هو هو الصرخة‚ وتتبعتُ الصرخة من أوّلها‚ من أصلها‚ وسألت نفسي: ألهذا الحدّ‚ استطاعت قدم شرطي في سجن أن توقظ هذا المجد الهائل؟ الماغوط يعتقد انه بلا مجد ولا أوسمة‚‚‚ متسكع أبدي على الأرصفة‚‚‚ آخر الجالسين في المقاعد‚‚‚ حسناً هذا هو مجد اللامجد لدى الماغوط‚ وتبعته من أولى قصائده حتى مجاميعه حتى صمته وانطوائه في العدم المطلق‚ تبعته كما تبع هنري ميلر آرتور رمبو‚ خطوة خطوة‚ شممت رائحة حريق الكلمات فتبعتها‚ كان ذلك في صيف وخريف 1958 في مجلة (شعر)‚‚‚ يتدمّر الماغوط ويدمّر الشعر وخزاً بالذنب أمام لبنان الذي يحترق:
سئمتك أيها الشعر/
أيها الجيفة الخالدة/
لبنان يحترق/
يثب كفرس جريحة عند مدخل الصحراء/
وأنا أبحث عن فتاة سمينة أحتكّ بها في حافلة/
عن رجل بدويّ الملامح أصرعه في مكانٍ ما
‚‚‚‚ عندما أفكّر‚‚‚ ببلادٍ خرساء/
تأكل وتضاجع من أذنيها/
أستطيع أن أضحك حتى يسيل الدم من شفتيّ‚‚‚ أيها العرب/
يا جبالاً من الطحين واللذّة/
يا حقول الرصاص الأعمى/
تريدون قصيدة عن فلسطين/
عن القمح والدماء‚‚؟

وكان ذلك في ربيع 1959 في (الرجل الميت) حيث يكتمل تشرّد المتشرّد بأدواته:

(أيها الجسور المحطمة في قلبي/
أيتها الوحول الصافية كعيون الأطفال/
كنا ثلاثة نخترق المدينة كالسرطان/
نجلس بين الحقول/
ونسعل أمام البواخر/
لا وطن لنا ولا أجراس‚‚‚‚

وكان ذلك في شتاء 1960‚ في (سماء الحبر الجرداء (حيث يخبّ الماغوط كحصان تحت المطر‚ وثلاثة رماحٍ في قلبه‚ وتبعته في غيبته وعودته وتقلّب أحواله‚ نادراً ما كان يظهر لي الماغوط كقمر مكتمل في سماء زرقاء‚ لم يكن مكتملاً ولا واضحاً‚ كان دائماً معصوب الجبين ملطّخ الوجه بغيوم داكنة‚ يغيب ويعود‚ ولكنه دائماً يزفر‚ يئن كحصان مريض‚ وحين افتقدته في خريف 1968 في مجلّة (شعر)‚ وجدت ألن غنسبرغ‚ ينفث في وجه أميركا كلماته ويقول:
أميركا/
أعطيتك كل شيء/
والآن أنا لا شيء/
أميركا/
دولاران وسبعة وعشرون سنتاً يناير 1956/‚‚‚
أميركا: اذهبي فضاجعي نفسك بقنبلتِكِ الذريّة‚‚‚
أميركا: لماذا مكتباتك مملوءة بالدمع‚‚‚/
أميركا إنني قصير النظر ومختلّ عقلياً على أية حال.

عن جريدة ( الحياة ) اللندنية

*****

حوار

محمد الماغوط
شاعر يتألم كالماء حول السفينة

حوار أجراه : أكرم قطريب
وشاكر الأنباري
وعادل محمود

صدرت أعمال الماغوط عن "دار المدى" في دمشق، من دون أن تلقى اهتماماً عميقاً، واسعاً في الصحافة الثقافية، تمجيد قراءة شاعر يتمتع بخاصيته اللغوية. منذ ذلك الحين، يحاول كثرة من أصدقائنا الشعراء والصحافيين "أسر" هذا النسر البدوي. فبعد مقابلة صحافية في الأمس القريب، استطاع زميلنا محمد علي الأتاسي أن يسرق "من الماغوط جولة هي عبارة على أسئلة، بل خلاصة أكثر من ( 11 9 العثمعي) الشعراء، دمشق، بيروت، السجون، الحرية وهلم جرآ. وكان زهونا الشعري.

أكرم قطريب وشاكر الأنباري وعادل محمود (!كون خيه) أكثر منها قراءة نقدية لشعرية الماغوط وتجربته، مضافة الى صور نادرة أمدنا بها الصديق محي الدين نصرة، فضلا عن نحاول أن نكون ملفا، بقدر ما نذكر أنفسنا، أصدقاءنا، قراءنا بشاعر يدمن الجوع، الأوجاع، يتألم كالماء حول السفينة.

"ملحق النهار"

أنا لا أكره أحدا، لا أحب أحداً لم أكره، لم أحب في حياتي سوى الشعراء.
ليس هناك في الكراهية أنواع، كما ليس في الشر أنواع. ليس هناك أسهل من الاحتيال على. عندما ا يبكي أحدهم أمامي، أصدقه فورا… أنا لا أجدد في صداقاتي او في عداواتي. الأعداء يأتون بأنفسهم، بشكل عفوي. أصدقائي منذ أيام السجن لا يزالون أصدقائي. اشعر بحنين الى أصدقائي القدامى في بيروت. أنا لا أكره أدونيس. ان أدونيس مجلة "شعر" ليس أدونيس اليوم.، ( رغم ان أدونيس هو من قدمني لمجلة

"شعر"، لكنه لم يكن يدرك من يقدم. أدونيس يريد من حوله مريدين لا أندادا. خالدة سعيد كانت أهم امرأة في سوريا، في النضال، في الكتابة، لكنه غطى عليها. كانت يجب أن تكون أهم من ناقدة: روائية او مسرحية أنا أحب أنسي، لا أفصل في علاقتي مع الشعراء بين الإنسان و شعره. أنسي قريب من الذي يكتبه، وهو يشبه شعره. لم أره مند سنوات. زمن بعيد. مشتاق إليه. أجمل مقابلة لي، أجراها أنسي، نشرها في "الملحق". كنا في دمشق برفقة فيروز، تمشينا في الطريق، لم يسجل شيء!، كتبها من ذاكرته. لم أعد للعيش في بيروت بعد إلغاء أمر إبعادي عنها في بداية السبعينات، بقيت في الشام. هنا أشعر نفسي أقوى، لأنني أكتب، أنتقد من داخل بلدي أحن الى الشام التي عرفتها، لا الى شام السلطة. كتبت مرة: كل ما أريده من مدينتي الحديثة، هو أرصفتها القديمة. أغلق مقهى أبوشفيق في مدخل دمشق. لم تعد قدماي تسمحان لي بالمشي الطويل. أحن آ الى المشي كما أحن الى مقهى أبو شفيق. ثلاثون سنة من عمري، أنا أمشي كل صباح الى هذا المقهى، أكتب فيه. الشام تحب دائما الغريب.

نعم أشعر بنفسي غريباً في الشام. الشام لا تحب أحدا. كتبت عن المرة: المدينة التي أعطيتها صدري أربعين عاما، لا أجرؤ أن أعطيها ظهري ثانية واحدة. حتى في السلمية أشعر بنفسي غريبا، فالناس تبدلت أكثر من تب

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

محمد الماغوط - ملف خاص

كتبها هاله نوري ، في 2 نيسان 2008 الساعة: 10:19 ص

إعداد ومشاركة: عمر شبانة:

الماغوط:
أسير بلا نجوم ولا زوارق

عمر شبانة

أولاً: هذا الملف
بداية، نسأل: محمد الماغوط الآن.. لماذا؟
هل ثمة مناسبة تقضي بنشر "ملف" خاص بهذا الشاعر تحديداً؟
وهل نستطيع الادعاء برابط ما بين الماغوط، أعماله الشعرية والمسرحية ومقالاته النثرية، وبين ما يجري في عالمنا اليوم، في زمن العولمة، زمن أمريكا وتابعيها، ونحن نقرأ ما يقال عن كون الماغوط ينأى بنفسه عن القضايا الكبرى، ويركز الضوء على التفاصيل والقضايا الصغيرة؟ فهل هو حقاً كذلك؟ أليس هو القائل "سأظل مع القضايا الخاسرة حتى الموت/ مع دمشق القديمة كملامحي"!
وهل القضايا الخاسرة سوى قضايانا الكبرى؟
لعل الماغوط من أكثر من أثاروا القضايا الكبرى في تاريخ كتابتنا الشعرية المعاصرة، حتى لو قال هو غير ذلك. فحين يكتب شاعر، في الستينات، عن العدالة الناقصة "العدالة التي تشمل الجميع وتستثني فرداً واحداً ولو في مجاهل الأسكيمو، هي عدالة رأسها الظلم وذيلها الإرهاب. والرخاء الذي يرفرف على موائد العالم ويتجاهل مائدة واحدة في أحقر الأحياء، هو رخاء مشوه".
وحين يطالب ب "الكل أو لا شيء، طالما أن الشمس تشرق على الجميع، طالما أن السنبلة الأولى لم تكن ملكاً لأحد"، حين يكتب مثل هذا، فهو يجعلنا نتساءل، ونحن نقرأ روايته "الأرجوحة" (كتبها عام 1963، ولم تصدر طبعتها الأولى إلا عام1974)، عن أي إرهاب كان يتحدث الماغوط في ذلك الوقت؟
وهل كان- آنذاك- ثمة "إرهاب" ناجم عن نقص العدالة، كما يحدث الآن، أم أنه كان حينذاك يرى إلى المستقبل الذي هو "الآن" حقاً؟
أهي نبوءة الشاعر الرائي، أم ربما كانت القضية مرتبطة بجوهر الصراع في العالم، فهو صراع بين عالمين، صراع تلخصه عبارة في قصيدة، أحياناً، كما في قوله "نزرع في الهجير ويأكلون في الظل"، أو محاورة في مسرحية، أو مشهد في رواية. وهنا يكفي أن نعود إلى قصيدته "الظل والهجير"، ففيها صراع بين "هم ونحن.."، حيث يخاطب الشاعر حبيبته:

حبيبتي
هم يسافرون ونحن ننتظر
هم يملكون المشانق
ونحن نملك الأعناق
هم يملكون اللآلئ
ونحن نملك النمش والتواليل
نزرع في الهجير ويأكلون في الظل

(من مجموعة "الفرح ليس مهنتي").

كان رائياً كبيراً، لأنه كان شاعراً صادقاً وحقيقياً وشرساً، وهذا ما نفهمه من شهادة الشاعر نزار قباني، حين قال له "أنت، يا محمد، أصدقنا..أصدق شعراء جيلنا. حلمي أن أكتب بالرؤى وبالنفس البريء، البعيد النظر الذي كنت تكتب به في الخمسينات. كان حزنك وتشاؤمك أصيلين.. وكان تفاؤلنا وانبهارنا بالعالم خادعاً".
أما شراسته، شراسة لغته وكلماته، فيصفها الشهيد غسان كنفاني بأنها "كلمات مسلحة بالمخالب والأضراس. ومع ذلك، فإنها قادرة على تحقيق إيقاع عذب ومدهش، وأحياناً مفاجئ. كأن يتحول صليل السلاسل إلى عزف منفرد أمام عينيك ذاتهما في لحظة واحدة".
فالماغوط، الناثر، لم يترك قضية، كبرى كانت أم صغرى، إلا وراح يُجري جرداً لها في واحد من مقالاته التي درج على نشرها في مجلة الوسط بين 1998و2001، ثم جمعها في كتابه "سياف الزهور" (افتتح الكتاب بقصيدته التي تحمل العنوان نفسه، والموجهة إلى رفيقة دربه سنية صالح). نأخذ من مقال "اغتصاب كان وأخواتها"، مطلعها على سبيل المثال "فجأة، ودون سابق إنذار، ركنوا جانباً قضية فلسطين، وتعثر المفاوضات على المسارات كلها، واستمرار قصف الجنوب، وحصار العراق، واحتمال تقسيمه إلى حارات وأزقة، والحلف التركي- الإسرائيلي، ولوكربي، والمذابح في الجزائر، والوضع المتفجر في البلقان والقرن الأفريقي، وقضية أوجلان.."، فهل ثمة، في الكون، قضايا أكبر من هذه؟
وهو حين يسخر من السياسة، يحن إلى "الدفاتر المدرسية القديمة.. خاصة تلك التي على غلافها الأخير صورة جدول الضرب، وعلى الغلاف الأول صورة الكشاف أو الطالب المجد بكتابه المرفوع في الهواء، وخطواته الثابتة الواثقة وقد كتب تحتها: إلى الأمام.. لا إلى: مدريد.. وأوسلو وواشنطن وتل أبيب!!". كما أنه لا يجد أغرب من العرب، يلخص حالنا في أن "بلادنا غارقة في المرض والجهل والبطالة والديون والعمالة والجنس والحرمان والمهدئات والمخدرات والوصولية والأصولية والطائفية والعنف والدم والدموع، ونحن مشغولون بغرق تيتانيك". (سياف الزهور، دار المدى، أواخر عام 2001).
ومن هنا، ولأن القضايا التي يثيرها الماغوط، في شعره وفي نثره ومسرحه، كما في حياته وشخصه وسلوكه، كثيرة وتستحق إعادة النظر، خصوصاً الآن، في ضوء ما يجري في فلسطين، فقد حرصنا على أن يأتي هذا الملف، الذي اقترحه موسى برهومة، ليطرح تلك القضايا. وكانت محاولة الحوار مع الشاعر، تلك المحاولة التي تصدى لها هو ورفضها، كما تصدى للكثير غيرها، بشراسة وبسالة، فكان اللقاء الحميم معه أغنى من أي حوار.

ثانياً: قصة لقاء
مع أن اللقاء الذي جمعني بالماغوط، قبل شهرين، لم يكن الأول بيننا، إذ سبقه لقاء قبل أعوام في مقعد الشاعر/ ركنه الذي كان مستقراً يومياً له في مقهى فندق الشام، مع ذلك، شعرت وأنا أتهيأ للقائه هذه المرة، كما يشعر تلميذ مقبل على اختبار نهاية العام، أو كما يحس جندي ذاهب إلى معركة فاصلة. وهذه سمة من سمات علاقاتي بالآخرين جميعاً، فما بالك بلقاء الماغوط الذي أعرف، من لقائي الشخصي الأول به، كما من لقاءاتي المبكرة مع مسرحه وشعره، أنه لا يمكن أن يكون لقاء عادياً، وأن يمر هكذا دون مقدمات وحسابات.
أنا، حتى الآن، قلت لنفسي، لست صديقه الذي يزوره، في أي وقت، بموعد أو بلا موعد، بلا غايات ولا أهداف. كان ثمة غاية لم أحاول إخفاءها عنه في الهاتف، لأنني أعلم مدى حساسيته، فمجرد أن تنطق بأي كلمة، تكون نبتت في رأسه أشجار من التساؤلات حول؛ من تكون وما تريد؟ لذا كان لا بد من الصراحة منذ البداية. كان لا بد من الوضوح، علامة أولى لعلاقة لا أدري أين تقودنا! فأنا لا أحب العلاقات التي تقوم لهدف وتنتهي، وأسعى الآن لبدء علاقة مع شاعر شكل لي هاجساً إبداعياً في فترة من الزمن، وما يزال يشكل لي محفزاً على الكتابة حتى الآن.
في الطريق، كنت أفكر فيما سيكون عليه اللقاء؟ طافت في رأسي كتابات الماغوط وأشعاره، مسرحياته ومقالاته في مجلة "الوسط". تذكرت روايته "الأرجوحة"، و"البطل" فهد التنبل، الأديب المغمور "كالجذور في الربيع"، والمناضل المرعوب من العالم، ومن أجل العالم.. وصديقته المناضلة "غيمة". عادت بي الذاكرة إلى "ضيعة تشرين" و"غربة". ثم مسرحياته التي قرأناها في كتب" العصفور الأحدب، والمهرج. والكثير الكثير من قصائد خارجة على قوانين الكتابة والشعر السائد. ما الذي أريده من هذا الشاعر؟ ما الذي يريده العالم منه؟ لم لا نتركه في حاله وشؤونه؟ لكنني فكرت: هل تَرَكَنا الماغوط وترك العالم لشؤونه، حتى نتركه؟
ألم يكن هو الذي أثار الزوابع والأنهار والزلازل؟ لذا فإن "من أشعل النيران يطفيها"!
أخيراً، هانحن، خليل صويلح وأنا، نطرق الباب، وأتوقع أن يطل الماغوط بقامته الفارعة، وعيني الصقر الشاسعتين. لكن توقعي يذهب سدى، فسرعان ما انفتح الباب عن شاب طويل وسيم، قادنا في ممر قصير، خلتُ أنه لن ينتهي. فأخذت أتأمل جدران الممر المحتشدة بالصور، صور شخصيات وأمكنة، صور الماغوط وغيفارا، مكتبة تغطي جداراً في الممر، وفجأة ظهر الماغوط الذي أعرفه، لكنه الماغوط الذي لا أعرفه أيضاً. بدا وكأنه فوجئ بغزو من كائنات وهمية.. هل أنحني وأقبله، فيما هو جالس، متكئ في سريره؟ لقد بدا لي أضخم مما توقعت. كان وزنه قد تزايد فعلاً عن آخر لقاء، وعن آخر صورة له.
صورته الجديدة بدت لوهلة صورة صقر متعب، يحط على صخرة في صحراء مترامية، ولا يدري إن كان عليه أن يعاود التحليق، أم أن الأمر غير جدير بالمحاولة؟ وحين جلسنا، أخذت أتأمل الوجه والعينين، وأطوف ببصري في أرجاء الغرفة. غرفة ليست "بملايين الجدران"، لكن جدرانها من لوحات فنية ووجوه مألوفة وأخرى غريبة. لوحات وبورتريهات تمثل الماغوط، رسمها أصدقاء له في مراحل مختلفة. صور لابنتيه شام وسلافة (لم ألحظ وجود صورة لسنية صالح، فهل كانت هنا ولم أرها؟). فجأة وجدت نفسي غارقاً في تأمل المكان، وفي سؤال كبير حول الحياة التي عاشها هذا النسر المتشرد في القمم والأعالي والزنازين والأزقة والوحل؟ سؤال النظرة الساخرة إلى العالم والأشياء، نظرة مخذول خاب ظنه في كل شيء، وفي كل إنسان، كما خاب ظنه في الأحزاب من قبل.

ثالثاً - تساؤلات وذكريات
كنت قد فكرت، مجرد تفكير، في أسئلة كثيرة أطلب منه الوقوف عندها، لكنني رأيت اليأس جالساً على الطاولة بيني وبين الشاعر، فطويت أسئلتي ورحت أصغي إلى صمته الصارخ، وذكرياته الجارحة التي قرأتها هنا وهناك. كان يدخن بشراهة، كما لو أنها آخر سيجارة، فيما السيجارة التالية تشتعل بجمرة السابقة، لتنعقد حلقات دخان أزرق مثل كلمات الشاعر. فيما يتحدث عن أصدقاء ذهبوا، ويتوقف لحظة ليرفع سماعة الهاتف ويرد على حفيدته بعذوبة ورقَّةٍ. كان دافئاً في حديثه وحانياً في أسئلته. ذلك الدفء والحنان اللذين تتوقعهما من شاعر متسكع كالماغوط. من الصعب، طبعاً، توقع الشاعر والداً، فما بالك به جداً لأحفاد وحفيدات؟ لكنه حين يغدو كذلك، يتصرف كشاعر حقيقي. شاعر وأب وجد.
وتظل الأسئلة تحوم بيننا، أسئلة الحزن والتشاؤم القاتم الشديد الحضور في نصوص الشاعر، وأسئلة الفرح الغائب بقوة عن هذه النصوص. كيف يكون التشاؤم أصيلاً وحقيقياً، ويكون التفاؤل أعمى أيها الشاعر؟ هل هي فلسفة مترفة هذه التي لا ترى في الحياة سوى الدم والدموع؟ أم أنها الفلسفة الوحيدة الصادقة والحقيقية والعميقة؟
هل كان شعر الماغوط قاتماً إلى حد الاختناق فقط، كما يرى البعض، أم حد الاختناق الذي يدفع للبحث عن نوافذ. وإلا فكيف يمكن أن يكون "مع الأغصان الجرداء حتى تزهر"؟ وكيف يكون مسكوناً بالثورة والرفض؟
هل مأساة الماغوط، كما تقول زوجته الراحلة سنية صالح (1935- 1985)، أنه ولد في غرفة مسدلة الستائر اسمها الشرق الأوسط؟ وهل كان الحال سيكون أفضل لو أنه ولد في مكان آخر، أم أن القدر هو القدر؟ هل كان الماغوط يحلم بتغيير العالم بالشعر، بسلاح الشعر فقط؟ وكيف تكون الكلمة الحالمة طريقاً إلى الحرية، والكلمة في الواقع طريقاً إلى السجن؟
كيف لمن احترق بنيران الماضي، وما يزال يحترق بجحيم الحاضر، أن يلجأ إلى نيران المستقبل، أليس كمن يستجير من الرمضاء بالنار الكبرى؟
كيف انتقلت، أيها النسر الجريح، من عزلة الغريب إلى عزلة الرافض المتمرد؟
وكيف تصنع من جراحك حقولاً من الخصب والتفجر؟
وهل ما يزال العالم خانقاً كالسجن، أو واهياً كالورق؟
وبماذا تعتصم، حيث لا قصيدة تعصمك؟
كيف نجت موهبتك من حضانة التراث وزجره التربوي، فنجت عفويتك من التحجر والجمود؟
واسمك الصغير كتابوت طفل، المغدور والراقد على حرفه الأول كالغزالة، كيف يتوهج؟
وفيم كان خوفك من البشر، وارتيابك الدائم والكثيف بهم؟

****

قرأت معظم ما كتب الشاعر، وكل ما استطعت جمعه من حوارات معه، لأسأله عن ثمانٍ وستين (68) سنة يحملها على كتفيه، هو المولود عام 1934، والذي يقول "أحمل السجن على ظهري، تماماً مثل ماكيت مجسم". هي ثمانية وستون عاماً من التسكع في الشعر والحياة، من "سلمية"، قريته التي أنجبته كما أنجبت معه علي الجندي وسواه كثيرين. سلمية

"الدمعة التي ذرفها الرومان
على أول أسير فك قيوده بأسنانه
ومات حنيناً إليها
سلمية.. الطفلة التي تعثرت بطرف أوروبا
وهي تلهو بأقراطها الفاطمية..
يحدها من الشمال الرعب
ومن الجنوب الحزن
ومن الشرق الغبار
ومن الغرب الأطلال والغربان..
لا تعرف الجوع أبداً/ لأن أطفالها بعدد غيومها..
حزينة أبداً
لأن طيورها بلا مأوى..
والنجوم أصابع مفتوحة لالتقاطها".

فهل هو "قرموطي" آخر، أم آخر القرامطة؟
سلمية هذه، البلدة القرمطية، المشاكسة، التي يتذكرها "فهد التنبل" بطل رواية "الأرجوحة"، ويتذكر نفسه فيها حين كان طفلاً، فيرى ذلك الطفل وهو يتصدى للإقطاعي، فيبدأ وعي الصراع الطبقي من الأرض، لا من الكتب. تقول والدة فهد عنه إنه "يخجل من النسيم، وإذا رأى فراشة تموت بكى طوال الليل. إنه الوحيد في قريتنا الذي لا تخافه عصافير الدوري، بل تغط على رأسه وكتفيه، وتمتص لعابه من بين شفتيه".
ورغم هذه الرقة، فهو الوحيد الذي يتصدى للإقطاعي "كان عمره تسع سنوات حين قذف جواد الأمير بحجر، وكان يقصد جمجمة الأمير، لأنه (الأمير) قذف له أجرته من فوق صهوة الجواد. كان بالطبع سيأخذها لو أعطاه إياها يداً بيد، ولكن أن يقذفها له والسوط في يده، فهذا ما لم يحتمله ولدي الصغير.. ولم يهرب. بل مكث واقفاً يلهث بأنفه الصغير أمام الأمير وسوطه وجواده، وكان قميصه الرقيق يخرج نتفاً على طرف السوط. لقد ضربه حتى أدماه.." (أعمال محمد الماغوط، الأرجوحة، ص 456). ومع ذلك فتهمته حين سجن أنه يتعاون مع الإقطاعيين. ومن حياة السجن وتفاصيله، ستتولد لديه ثنائية "القفص/ العصفور". ووعي أكبر وأوسع بالصراعات.
هذا الوعي الذي سيشقي حياته، ويقوده إلى الشعر بموهبته الفذة والبريئة. وهو الذي سيخرجه من سلمية إلى سجن المزة في دمشق، بين 1955و1956، حيث يتعرف إلى وأدونيس، الذي سيقدمه فيما بعد إلى شعراء مجلة "شعر"، حين كان الماغوط في بيروت لاجئاً سياسياً (يسخر فيقول إنه كان لاجئاً اقتصادياً.. فاللقاءات التي كانت تتم في بيت يوسف الخال، كان يحضرها الماغوط مستمعاً، يسمع أسماء شعراء (غربيين) لا يعرفهم، وعندما يحضر الطعام يأكل. فقد كان الخال وزوجته يعدان الطعام لأسبوع كامل، على الطريقة الأميركية).
ورغم هذه السخرية، فقد كانت بيروت محطة أساسية في ترسيخ صوت الماغوط. فقد كانت- أولاً- الملجأ من المضايقات والمطاردات التي سببها العسكر على أثر الوحدة المصرية السورية، وثانياً لأنها كانت مركزاً ثقافياً، ومركزاً للثقافة العربية بحق، في مقاهيها ومكتباتها ودور النشر الكبرى فيها. والأهم من ذلك، نسبة إلى الماغوط، هم الأصدقاء: أنسي الحاج، سعيد عقل، عصام محفوظ، رفيق شرف، سمير صايغ، شوقي أبي شقرا..الخ. وحتى الآن، ما يزال الحنين إلى بيروت يلح على طائر السلمية، فهو الذي لم يعد يسافر، رفض دعوة إلى كندا، لأنه كان مدعواً إلى النبطية.
سنية صالح ودمشق: عشق أبدي
وحين عاد الماغوط إلى دمشق، كان قد غدا اسماً كبيراً، حيث صدرت مجموعته الأولى "حزن في ضوء القمر" (دار مجلة شعر، 1959)، وعن الدار نفسها صدرت، بعد عام واحد مجموعته الثانية "غرفة بملايين الجدران" (1960). ثم مرت عشر سنوات حتى أصدر المجموعة الثالثة "الفرح ليس مهنتي" (اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1970). وفي دمشق بدأت حياة جديدة تتفتح أمام الشاعر الغاضب الرافض الخارجي، وتركز نشاطه في المسرح، وتوقف عن كتابة الشعر كلياً، ولم يكتبه إلا بعد رحيل سنية صالح بسنوات، فقد كتب فيها أجمل قصائده، والتي ستنشر في مطلع كتاب النصوص النثرية المتنوعة "سياف الزهور" (دار المدى، أواخر 2001).
لقد بدأ الماغوط من "سلمية"، لكنه سرعان ما دخل علاقة عشق مع الشام/ دمشق، وهاهو يحن إلى قريته "سلَميّة" ولا يستطيع أن يعود إليها، لأنها تسكنه. يقول (بطل) قصيدة "المسافر"، يخاطب والده:

أرسل لي قرميدة حمراء من سطوحنا
وخصلة من شعر أمي
مع أقراط أختي الصغيرة
وأرسل لي نقوداً يا أبي لأشتري محبرة
وفتاة ألهث في حضنها كالطفل

(مجموعة "حزن في ضوء القمر").

ومع ذلك لم ينجُ من شعور الغربة والنفي. هذا الشعور الذي سيكبر معه حتى يلتقي رفيقته سنية صالح، الصديقة أولاً، والزوجة لاحقاً، التي احتضنت أحزانه وآلامه، وضمدت جراح روحه قبل طعنات جسده. سنية التي كتبت عن الماغوط في مقدمة أعماله الكاملة (الطبعة الأولى، وهي المقدمة التي تضمها الطبعة الجديدة الصادرة في دار المدى 1998)، أنها خرجت تبحث عنه في أثر أحد الانقلابات، "وكان في ضائقة قد تجره إلى السجن أو ما هو أمرّ منه"، فعملت على إخفائه عن الأنظار في "غرفة صغيرة ذات سقف واطئ حشرت في خاصرة أحد المباني، بحيث كان على من يعبر عتبتها أن ينحني وكأنه يعبر بوابة ذلك الزمن.. سرير قديم، ملاءات صفراء، كنبة زرقاء طويلة سرعان ما هبط مقعدها، ستارة حمراء من مخلفات مسرح قديم. في هذا المناخ عاش محمد الماغوط أشهراً عديدة".
وشعرياً، ترى سنية أن الماغوط "من أبرز الثوار الذين حرروا الشعر من عبودية الشكل.. وقد لعبت بدائيته دوراً هاماً في خلق هذا النوع من الشعر..". وقريباً من هذا، ما قالته الشاعرة والناقدة الفلسطينية سلمى الجيوسي، في معرض حديثها عن الحداثة الشعرية العربية وفرسانها، فقد رأت أن الماغوط "كتب الحداثة أكثر من الشعراء الآخرين الذين نظّروا بها. هذا الرجل لم أستطع أن أحل إشكاليته في قدرته على امتصاص الحداثة فهو ليس حداثياً، بمعنى الحياة الخارجية, وهو لا يتقن لغة أجنبية، وعندما كتب هذا الشعر لم يكن يعرف الشعر الغربي".
وسنية التي- برحيلها- أعادت الشاعر إلى كتابة الشعر، بعد انقطاع استمر من عام 1974حتى 1989، حين كتب "سياف الزهور: مقطع من موت واحتضار سنية صالح". في هذا النص عاد الماغوط بلغته الوحشية، وأسئلته الوجودية، ولكن بإيقاعات أشد شراسة. يقول:

يا رب..
في ليلة القدر هذه،
وأمام قباب الجوامع والكنائس،
اللامعة والمنتفخة كالحروق الجلدية..
أساعد الينابيع في جريانها
والحمائم المشردة في بناء أبراجها
وأضلل العقارب والأفاعي
عن أرجل العمال والفلاحين الحفاة
ولكن.. أبق لي على هذه المرأة الحطام
ونحن أطفالها القُصَّر الفقراء

فسنية صالح لم تكن زوجة وصديقة وأماً للأطفال فقط. كانت تعني الكثير للشاعر الطفل النزق الذي يحتاج من ترعاه. لذا فهي له "يتيمة الدهر وكل الدهور"، وهو من دونها يشعر أن "كل صحبتي تفرقت"، فيعاتبها "من أين ورثتِ/ هاتين الرئتين الواهيتين كرئتي عصفور؟ وهذا النمش المتجمع على ذرى الكتفين/ كما تتجمع العصافير الخائفة في أعالي الشجار؟".
وعن هذه القصيدة يقول كمال أبو ديب، إن لغة النص وصوره "مدهشة، مثيرة، تنبثق. صور عجيبة شرسة، تخمِّش وتخرمش وتذبح. كل علاقاتها تقريباً مما لم نألفه في تصور أو لغة شعرية قبلها.. لنحصِ الاستعارات والتشبيهات في شعر الماغوط، ستكون النتيجة رائعة: إن التشبيه، لا الاستعارة، هو الصيغة المثلى لتجسيد صوره الشرسة المخترقة.." (مجلة ثقافات، البحرين، ع 1، شتاء 2002).
كان بسيطاً وعفوياً وبدائياً هذا الشاعر، لذا كان عشقه لكل شيء عشقاً مدمراً وجارفاً، ولذلك كان غريباً ذلك العشق الذي جمع الماغوط بدمشق، جعله يسميها "عربة السبايا الوردية"، حيناً، ويهجوها هجاء مقذعاً حيناً، ويعود ويعلن عشقه لها في نهاية المطاف. والعشق نفسه كان تجاه نهرها بردى، فهو قد نال نصيبه من عشق الشاعر ومن لعناته التي كانت تعبر عن غضب شديد من الحال التي آل إليها "نهر صغير من الطبقة المتوسطة". طبقة كان الشاعر يرى فيها عدو الطلبة والعمال والكادحين. طبقة جعل النهر يعكس رؤيته لها، فجعل النهر كأنه هو الطبقة نفسها، وراح يهجوه بحزن ومرارة:

نهر صغير من الطبقة المتوسطة
أتى على كل شيء في حقبة واحدة
أروع مطر في التاريخ
أجمل سحب الشرق العالية

بددها على الغرغرة وغسل الموتى..

(من مجموعة "الفرح ليس مهنتي").

هنا يحضر النهر، وتحضر دمشق كلها، لا بوصفهما "مكاناً"، بل بشراً وعلاقات لا يُقرّها الشاعر، فهي علاقات يرى فيها تشوهات المجتمع، والاستغلال والقهر الطبقيين.
لذا فدمشق ستظهر هنا في صورة كائن بشري، امرأة ربما، تسأل عن الشاعر في مكتبه، وليس بالضرورة أن يكون الشاعر نفسه، بل أي "بطل" للقصيدة، فيسأل "من تكون هذه العجوز الجامدة عند المنعطف، والبعوض يحوم فوق رأسها، كأنه مصباح أو مستنقع؟"، وحين يخبرونه أنها دمشق، يسألهم أن يطردوها، فهو لا يعرف أماً أو شقيقة بهذا الاسم! وتستمر السخرية "أهي خزانة أم مطرقة أم مرآة؟". يقولون له "إنها مدينتك" فيجيب "لا مدينة لي سوى جيوبي"، يحاولون بإلحاح "إنها وطنك"، لكنه يصدها "لا وطن لي سوى هذه البقع والخربشات على الخرائط". ففي تلك المرحلة، بدا وكأنما يرد ثأراً بينه وبين دمشق، المدينة/ الحكم، التي سجنته وطردته وشردته، فهو لا ينسى حوارهما:

* قلت لها: عطشان يا دمشق
- قالت: اشرب دموعك
* قلت لها: جوعان يا دمشق
- قالت: كل حذائي

إنها دمشق المناسف والأهراءات، والبيضة المسلوقة والرغيف المطوي "بعناية" في حقيبة المدرسة، الخيول الجامحة والسفن التي تسد وجه الأفق، دمشق المحدودبة أمام الصنبور. هذه التناقضات التي شوهت وجه المدينة القديمة وروحها وملامحها، لم تستطع تشويه ملامح الشاعر وروحه و.. لغته. فقد حفظ الدرس، وكافح ليحافظ على هويته الحقيقية، هوية الريفي البسيط والواضح كحد السكين. فعاد إلى مدينته واعياً همومها، غير قادر على خذلانها رغم كل شيء، فبعد أن يقول كل ما قال، ويبلغ حد الأمر بأن يضربوها بالسياط، ويطردوها من الأبواب، لتظل وحيدة كالريح.. يبصر نور عشقه لها وراء الغلالة السميكة من الحقد الطبقي، ويدرك الفارق بين المدينة وحكامها، فيعلن أنه لا يستطيع رؤية ما سيحل بها، فيصرخ بهم:

ولكن..
اسملوا عينيّ قبل أن تفعلوا ذلك
إنني أحبها يا رجا

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

تجربتي الشعرية أو امتحان البراءة

كتبها هاله نوري ، في 2 نيسان 2008 الساعة: 10:13 ص

ابراهيم نصر الله

الشاعر والروائي إبراهيم نصر الله.

-1- 

لاهثاً أركض
قاطعاً العمر بين سؤال وآخر
باحثاً عن إجابة أستريح على عتباتها قليلاً…..لأواصل أسئلتي

-2-

حاولت جاهداً خلال السنوات الماضية الإفلات من منصة الشهادة… لا لأن الشهادة في هذا المجال لن تكون الصدق كل الصدق، بل لأن الشاهد لا يملك أي يقين قاطع هنا، وليست شهادته في أفضل حالاتها أكثر من وصف لكائن حي… لا لتلك الحياة التي تصطخب داخله…

-3-

كان يزعجني دائما تنظير بعض الشعراء لقصيدة سيكتبونها…. ويبالغون في ذلك حتى لتعتقد أنهم كتبوا هذه القصيدة …. ولكنك في النهاية تكتشف أنهم قالوا الكثير عن الشعر…. لا الشعر نفسه.

-4-

الكتابة عن القصيدة بعد كتابتها وجه آخر بالنسبة لي في هذا المجال… الكتابة هنا فعل ارتداد إلى الخلف… محاولة لتقطيع أوصال كائن حي لإثبات عناصره الأولى… عناصره التي ليست هو على الإطلاق.

-5-

لا شيء ما بيننا يكتمل
نحن لا ننتهي

-6-

ربما تبدو الكتابة المحاولة الأصفى لتأمل ذواتنا، ولذا كتبت في يوم من الأيام: إن سر تعلُّمِنا من كتابتنا، يعود إلى أننا نتجمع في لحظة الكتابة كما لا نتجمع في لحظة سواها! !
هنا الإنسان كله ، حواسه كلها، وليست مصادفة أن بدايات الأعمال الإبداعية هي التي يطالها التعديل، أو تستوجب العمل عليها، أكثر من بقية أجزاء العمل الأخرى، باستثناء النهايات ربما، لأننا خلال البدايات لا نكون قد غادرنا بعد أرض تبعثرنا إلى بؤرة تجمّعنا.
قبل الكتابة تكون حواسنا أشبه بأشعة الشمس المتفرقة، حارة ولكنها غير قادرة على إشعال حريق، وما يحدث لأشعة الشمس نفسها حين تتجمع عبر عدسة أو منشور زجاجي، وتبدأ تحولاتها من أشعة دافئة إلى حزمة فحريق، هكذا تتحول حواسنا، ونتحول بالتالي.
في الكتابة كلنا هناك، يبدأ ضجيج العالم الخارجي بالتلاشي شيئاً فشيئاً، لتصل حواسنا إلى أقصى طاقتها وهي تتكثف وتتكاتف، لتسمع أدق الهمسات البعيدة الصادرة من الأعماق، بحيث تغدو القضية التي تؤرقنا تحت ضوء هذه اللحظة أكثر وضوحا منها حين تكون بعيدة ومجرد هاجس من هواجسنا اليومية الكثيرة.
لعل الكتابة هنا هي أداتنا السحرية التي تمكننا من الرؤية..وتطلقنا في الرؤيا.. أو لكأنها تشبه تلك الحالة الأسطورة التي يستطيع الإنسان من خلالها وعبر تكثيف حواسه كلها في نقطة واحدة أن يحرك الأشياء! !
الكتابة إلى لحظة كشف تنبع من داخلنا.. لا من أعالي السماء.

-7-

قد لا يكون لكل قصيدة ـ بالمطلق ـ حكاية تتعلق بالطريقة التي كتبت بها، لكن القصائد لا تكتب بالطريقة ذاتها، تماما كما لا يمكن السباحة في النهر مرتين، لقد دعيت ذات مرة للجامعة الأردنية لأتحدث عن لحظة كتابة القصيدة، وللوهلة الأولى خيل إلي أن الأمر سهل، وله في عملية الحمل والولادة مرآة ما.
ولكن ماذا عن الأمر قبل هذا؟ ماذا عنه بعده؟! ! رحت أتساءل.
ثمة قصائد عاشت في داخلي عشرين سنة قبل أن أتنبه لوجودها في لحظة صفاء، فكتبتها (أحاديث) وثمة قصائد لم أحمل بها أبدا، لأن لحظة الكتابة هي لحظة الحمل نفسها ( اليد)، وثمة قصائد أعددت لها طويلا وكتبتها على مدى سنوات أو شهور طويلة كما لو أنني أكتب رواية (نعمان يسترد لون) و (والفتى النهر والجنرال) و (الطائر)، وثمة قصائد أعددت لها طويلا وجمّعتُ أرشيفا خاصا بها، لكنني كتبتها في ثلاثة أيام (الحوار الأخير قبل مقتل العصفور بدقائق) و (راية القلب)، وثمة قصائد حركها حدث عابر (الذئب) وقصائد اكتشفت وجودها معي حين كنت أهم بمغادرة البيت، فعدت وكتبتها في لحظات كما لو أنني أحفظها غيباً (النوافذ)، وثمة قصائد كنت قد قررت ألا أكتبها أبداً، لكنني اكتشفت أنني أساق إلى طاولتي كالمنوَّم، وأبدأ بكتابتها (فضيحة الثعلب)، وثمة قصائد تحصَّنتْ هناك في الداخل ورفضت أن تخرج أبداً. ثمة دواوين كتبت خلال خمس سنوات وأخرى خلال خمسة أشهر.
هل ثمة معيار واحد للكتابة؟ لا.

ـ 8 ـ

لو خُيّرتُ إذن في شكل الشهادة التي سأكتبها لاخترت عددا من قصائدي الموزعة في اثني عشر ديوانا، لاخترتها بتعسف…وقرأتها.
ولكن ماذا عن التجربة الروائية، ما الذي يمكن أن أقوله هنا في ست روايات، أخذت من العمر نصف ما أخذ الشعر، وأكثر؟ ربما هي حالة أخرى من الأجدى أن تتحدث عن نفسها عبر همومها الخاصة التي تفترق عن الشعر في أول الطريق، لتسلك طريقا آخر، لكنهما يلتقيان في النهاية، من الأجدى أن تتحدث عن نفسها كي لا تكون مجرد ريشة في جناح هذه الشهادة وهي جناحي الثاني.

-9-

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حجرة الناي

كتبها هاله نوري ، في 2 نيسان 2008 الساعة: 10:10 ص

ابراهيم نصر الله

أحيانا

الخريفُ ذهابٌ
إيابٌ سَفر
والخريفُ صعودٌ إلى المنحدر

 

طيور

أقمتُ إذن في ظلالكِ أكثرَ مما يجب
فأضعتُ السَّفرْ
كان يمكنُ أن ألتقي مثلَ هذا الخريف قديماً
وأنجو
قليلا هنا أو هنا، أو هنا، .. كـ (طيورِ الحذَر)

 

موت

 

الخريفُ:
ثلاثة هواتفَ بثلاثة ألوانٍ في ثلاثةِ أركان
ثلاثةُ عناوين الكترونية
ثلاثةُ خطوط لثلاثة هواتفَ جوالة
من ثلاثِ شركاتٍ متناحِرة
وليس هنالك أيّ رنين.
الخريف:
ثلاثةُ أبواب من غير عيون سحريّة
وليس هنالك من يدُق
حتى ولا عامل النظافة
الخريف:
ثلاثة شبابيك تطلُّ على الشارع لثلاثة شتاءاتٍ صقيعيّة طويلة.
لكن اليد التي تجمَّدتْ في الفراغ
لم تزل تُلوِّح للعابرين

 

حاجة

 

شارعي يتساقط فيَّ
ويتبعُهُ بهدوء رصيفي..
لم أكن واثقاً من كلام شتائي ولا شمسِ صيفي
ولا من بلاغةِ خُضرةِ ذاك الربيعِ
سأكتب شيئاً:
وجدتُكِ قربَ البحيرةِ
لكنني منذ هذا الصباحِ أُعيدُ كلاميَ:
سوف تضيعينَ حين أراكِ
وسوف تضيعينَ إن لم تضيعي!!

 

أمنيات

 

ليتني كنتُ قبل زماني هنا
نصفُ هذا الخريفْ
كان يكفي إذن أن أكونَ ربيعاً
ويكفي الإقامة أن تتدافعَ في كلِّ صوبٍ
وأغدو السَّفرْ
وأمحو الذي كتبوه هنا فوق حائط بيتيْ:
(طريقُ البشر)

 

قراءات

 

الخريفُ رمى كلَّ شيء بأوصافه ههنا
ومضى في الشوارعِ
سيدَ أنفاسِهِ
ليُعيدَ قراءةَ ما تركَ الصيفُ من عتباتٍ على بابهِ
وعلى المنحدرْ
الخريفُ سحيقٌ كبئرٍ عتيقٍ
ولا شيءَ يشبهُهُ كالبشرْ

 

اعتراف

 

إن لقيتكِ قربَ البحيرةِ لن أدَّعي أنها صدفةٌ
سأقولُ انتظرتكِ قربَ البحيرةِ!!
- كمْ عمركِ الآنَ؟
- سبعٌ وعشرونَ.
- يا للربيع!!

إن لقيتكِ قربَ البحيرةِ
حدَّثْتُ قلبي الصغيرْ:
ذاكَ شيءُ كثيرْ!

 

أمنيات

: يا ليتني كنتُ شجرةً.
يهمسُ المُتشرِّدُ في ليالي البَرْد
وليتني أيضاً!!

 

جراح

 

نسمةً جارحةْ
عبرتْ من هنا:
ذكرياتي التي لم أَعِشْها هناك!!

نسمة جارحةْ
عبرتْ من هناكْ
ذكرياتي التي
لم أعِشْها هنا!!

 

حياة

 

.. كلّ شيء عشتُهُ في ذلك الصيفِ البعيدِ
صباحنا الملكيّ، شهقة ليلنا
.. كلّ شيء عشته في ذلك الصيف البعيدِ
إقامة لا شيءَ يشبهها
وريح عُبورنا !!

 

نسيان 

 

لا تطلُّ نوافذُ بيتي عليكِ، لأنكِ فيهِ!
لهذا نسيتكِ يا امرأتي!
لا تطلُّ نوافذ بيتكِ أيضاً عليَّ…

هنا في الممرِّ هنا نلتقي، نلتقي ونضيعْ
هنا تتساقطُ مثل الخريفِ
زهورُ الربيع!!

 

العابر

 

لم أحبّكِ من قبل يوماً
مررتُ ببستانكِ المترامي على قمةِ التلِّ كالعابرينَ
ولكنني أتذكَّرُ كان هناكَ الكثيرُ من الياسمينِ
وكانتْ طيورٌ وأشجارُ سَرْوٍ
وطيفُ فت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

في حديثها عن حبها

كتبها هاله نوري ، في 2 نيسان 2008 الساعة: 09:59 ص

وكيف أقولُ أحبُّـكَ في آخرِ الليلِ
حين تعودُ إليَّ
على كـتفيكَ نهارٌ ثقيلٌ
وشمسٌ مطاردةٌ بالسَّوادْ
وكيف أقولُ أحبكَ
لا الوقتُ وقتي
لأعبرَ صمتي
ولا نحن عُـدْنا لأرضِ البلادْ ! !
وكيف أقولُ أحبكَ
أولادُنا نائمونَ نَعمْ
وما خلفَ شباكنا من عِـبادْ

قطعنا الطريقَ إلى روحِنا حافِـيَـيْنِ
كدمعٍ عزيزٍ تجمَّع في حدقاتِ الجيادْ
ومضى عمرُنا لنهاياتـهِ
قبلَ أن يتفتَّحَ فـيَّ مساءٌ وأهمسُ
: إني أُحِبُّ حياتي لأنكَ فيها
وإن خبأتْ مقلتايَ ثلاثةَ أرباعِ ما في الفؤادْ
.. فكيف أقولُ بأني أحبكَ
هادئةً
مثل غفوةِ أطفالنا
والزمانِ البعيدِ الذي ظلَّ في الروحِ ساكِـنْ
ومثل الصباحِ الذي يتفتَّح في حَـوْشِ بيتكَ
سراً
ويصعدُ قبل انتشارِ الجنودِ سطوحَ المساكنْ

في آخرِ الليل حين تعودُ إلـيَّ
أحبُّكَ دونَ كـلامٍ
وتعرفُ ذلكَ
ها حَـوْشُ بيتي نظيفٌ
غسيلي نظيفٌ
وظليَ أخضرُ فوق وجوه بنيكَ
وصحنُ طعامِكَ ـ في عزِّ كانونَ ـ سـاخنْ

في حديثها مع زوجها

أن تربي ولدْ
ههنا
دونَ شمسٍ
ودون بلدْ

أن تربيهِ دون سماءٍ
ودونَ جداولَ ماءٍ
ودون طفولـةْ
إنها مستحيلةْ
أن تربيه من دونِ مُـهْرٍ
وسَرْوٍ
ومن دون جُـمَّيـْزَةٍ وحكايـا ظليلةْ
إنها مستحيلةْ

أن تربيه من دون صبحٍ
ودونَ ديوكٍ تصيحُ على السَّطحِ
دون ضُحىً يتجولُ في الناسِ
دون ظلالٍ هنا في الظهيرةْ
ولا شيءَ غيرَ ليالٍ طويلــةْ
إنها مستحيلةْ

أن تربيه من دون أُغنيةٍ
أن تربيه من دون عُرسٍ
ودون بكاءٍ على روحِهِ
إذ يُكفِّنُ وسْطَ الظلامِ قـتـيلَهْ
إنها مستحيلة

أن تربيه من دون خبـزٍ
ومن دون زيتٍ وزيتونةٍ
وتُعلِّمَهُ أن يعيشَ
ليحرسَ أحلامَه كلَّها وصهيلَهْ
إنها مستحيلة

أن تربيه في زمنِ الـبُـورِ
دون اخضرارٍ يهبُّ
ويُـحيي جنادبَـهُ .. جريَـهُ خلفَها ..
وشقائقَ نعمانِـهِ .. وسهولَهْ
أن تربيه ما بين فكيّْ رصاصٍ
وتحرسَهُ من أن يُذريْـهِ أو أنْ يَطولَـهْ
إنها مستحيلة !

غيرَ أنكَ ربيتَهمْ بشراً
وقطعتَ بهم دون أن ينحنوا ، لحظةً ،
أرضَ هذي المنافي الذليلــةْ

في حديثها عن أبي

كلما حدثتنيَ عنه
اكتشفتُ بلاداً بعيدةْ
لم أكن قمحها ذات يومٍ
ولم أطوها في قصيدةْ ! !

كلما حدثتنيَ عن شـمسهِ
عن عصافيرَ تخفقُ في إسـمهِ
وعن رحمة اللـه تجري كما النهرِ في دمهِ
كلما حدثتنيَ عن خوفه كجناحٍ علينا
وعن حُلْمهِ بصباحٍ أليفٍ تناثرَ ،
ندعوه ، يأتي ، كما الطيرِ سعياً إلينا

كلما حدثتنيَ عن شجرٍ يتدفَّـقُ كالماءِ
في كلماتِـهْ
وعن صوتهِ
وشموخِ صلاتِـهْ
وعن زهوهِ آخرَ العمرِ سراً
بأقمارِ أبنائـهِ وبناتِـهْ

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي